حسن الأمين

286

مستدركات أعيان الشيعة

الوجود ، فلم يترك هذا التبديل وهذا الزوال إلا ذكرى ضئيلة خابية ، وإلا خيالات تأخذ في الانمحاء يوما بعد يوم . . ولكن كر الأيام وتعاقب السنين ، لا يمكن أن يطمس ذكرى أشياء وحالات أخرى . . . لا يمكن أبدا أن يطمس ذكرى الإقبال على القرية في الليالي وقد صمت كل شيء ، وهدأت كل حركة ، إلا أصواتا لم تصمت ، وحركات لم تهدأ ، أصواتا تشق أجواز الفضاء إلى الآذان في هدأة الليل ماشية إلى البعيد البعيد ، فتكون إشارة الأمن وشعار الوصول . . . أصواتا إذا كانت غير مرضية من قريب فإنها تبعث الرضا كل الرضا في الليل البهيم من بعيد . . . تلك هي أصوات كلاب القرية التي طالما سمعناها على ظهور الخيل ، ماشين إلى القرية في اعتكار الظلام . . . لم ينته وجود الكلاب في القرية كل الانتهاء ، بل لا يزال لها وجود محدود . ولكن النوع تبدل والعمل تحول . . . والكلاب الموجودة اليوم في القرية هي كلاب الصيادين ، كلاب تنام في الليل مع النائمين ، وتهدأ مع الهادءين . وبعد أن كانت مهمة الكلب حماية الضعفاء ورد المعتدين ، صارت كيد الضعيف وعضد المعتدي . . . سباق الخيل كانت الخيول كثيرة في القرية ، وكانت هي وسيلة الانتقال من قرية إلى قرية أخرى ، وبعض الخيول كان يعد ( لدراسة ) سنابل القمح ، ولكن هذا النوع قليل ، ( فدراسة ) السنابل على البيادر تتولاها ثيران البقر التي كانت تولت زراعتها . على أن خيول الدراسة حين توجد لا تكون من النوع الأصيل ، فالأصائل لا تستعمل لغير الركوب . واجتماع عدد من الأصائل في القرية تكون نتائجه أن تقام في القرية ميادين السباق أصيل كل يوم في الكثير من أيام السنة . وأسلوب هذا السباق هو أن ينقسم الفرسان إلى صفين متقابلين ، فيبرز من هذا الصف فارس بفرسه قاصدا الصف الآخر ، ولا يكاد يدنو منه حتى يلوي عنان الفرس راجعا بأقصى سرعته ، فينتدب له فارس يعدو بفرسه وراءه متسابقين ، حتى إذا دنا الفارس من صفه انضم إليه ، ولوى الآخر عنان الفرس راجعا فيتعقبه فارس من الصف ، وهكذا بين كر وفر طوال الوقت . وقد كان اقتناء الخيول موضع تباه وتنافس بين البارزين في القرية ، كل يحاول أن يقتني الأكثر أصالة والألطف شكلا والأسرع ركضا ، وكان ذلك من دلائل الوجاهة ، فلا بد في ( التوجه ) في القرية من اقتناء الفرس . . . على أن أعظم ميادين السباق كانت تعقد في الأيام الحاشدة حيث يشترك في السباق فرسان أكثر من قرية واحدة ، وذلك أيام الأعراس الكبرى حيث تدعى إلى حضور عقد الزواج قرى بكاملها ، فتقدم القرية بعلمها ورجالتها وفرسانها وصباياها في موكب واحد وما أن يطل الموكب على القرية الداعية حتى يأخذ فرسانه بالتباري على ظهور الخيل جائلين في كل رحبة ، ويأخذ الرجالة بإطلاق أصواتهم بحدائهم الجميل الذي كانوا يسمونه ( الرويد ) ، حيث يتقدمهم اثنان من ذوي الأصوات العامرة بهتاف يردده الجمهور بصوت واحد ومن ورائهم الصبايا بهتافات أخرى . . . وما أن تسمع القرية الداعية صوت ( الرويد ) يقترب منها ، حتى تنطلق بجمهورها لاستقبال القادمين ( برويد ) مقبابل فإذا التقت القرى المدعوة كلها ، عقدت كل قرية حلقة للدبكة وحدها ، فيما يجتمع فرسان كل القرى منقسمين إلى صفين متقابلين . وكثيرا ما كنا ننطلق من شقرا في موكب من الفرسان في زيارة لقرية أخرى بمناسبة من المناسبات في موكب جميل وقور هادئ . على أنني ما كنت فارسا معدودا ، فبالرغم من أننا كنا نقتني دائما فرسا أصيلة وكنت كثير التنقل عليها ، فإنني لم أكن أشارك بالميادين ودخول الحلبات ، وإذا شاركت كنت بين الضعف ، وذلك لأن الفروسية يقتضي لها مران دائم منذ الصغر . ولم يتيسر لي ذلك بسبب نشوئي في دمشق ، وعدم تفرغي للخيل إلا خلال الصيف . ولما طالت إقامتنا في شقرا خلال الثورة السورية وبعدها لم أتفرغ لذلك فظللت غير ملم بالأصول غير متمرس بما يجب أن يكون . . . لقد انقرضت الخيول من القرى انقراضا كاملا . وانقرضت الدعوات الجماعية للأعراس الكبرى ، وصمت ( الرويد ) ، وإن ظلت الدبكة تطل بين الحين والحين إطلالات ضعيفة . . . الحركة الوطنية أخذت الثورة السورية تتلاشى يوما بعد يوم ، وإذا كنت لم أنس أن آخر بطل من أبطالها كان عز الدين الجزائري الذي حاول اقتحام الغوطة من جديد بعصابته التي لا تعدو العشرات فتلقاه الفرنسيون وانجلى القتال عن مصرعه وتشتت رجاله ونزح سلطان الأطرش إلى الأزرق ثم إلى صحراء النبك وتفرق بقية الزعماء بين مصر والعراق والأردن وتركيا . وكان أكثرهم في مصر ، وانجلى الأمر عن شقاق مؤلم انشطر فيه القوم إلى فريقين يتشاتمان ويتبادلان التهم على صفحات الجرائد . وجاء مفوض فرنسي جديد هو المسيو بونسو وأعلنت فرنسا العفو عن فريق من الثائرين فعادوا إلى الجبل ودمشق وغيرهما . وأعلن بونسو قيام مرحلة جديدة ودعا إلى انتخاب مجلس تاسيسي يضع دستورا لسوريا تدخل فيه عهدا لا يشبه عهودها السابقة . وتكتل الوطنيون السوريون وجمعوا صفوفهم فكان ذلك ميلاد الكتلة الوطنية التي قادت سوريا بعد ذلك في نضالها مع الفرنسيين حتى آخر عهودهم . ورحنا ونحن في جبل عامل نرقب ما يجري في دمشق وسوريا كلها فاسفرت النتائج عن فوز الكتلة الوطنية باغلبية مقاعد المجلس التأسيسي وسيطرتها على قيادة المجلس . . ولما بدئ بوضع الدستور وتتالت مواده مادة بعد مادة ثم انتهى وضعه أسفر الفرنسيون عن نواياهم ، إذ جاء الدستور دستورا استقلاليا واضحا مما لم يقبله الفرنسيون وطلبوا تعديل بعض مواده وهي ست مواد كانت هي جوهره وروحه وفي تعديلها كما يريد الفرنسيون تكريس للانتداب واعتراف قانوني بوجوده . ولما طال الأخذ والرد وأصر كل فريق على موقفه ، راح الفرنسيون يؤجلون جلسات المجلس ثم حلوه حلا نهائيا . . . وعادت سوريا إلى الكفاح من جديد وقامت المظاهرات في جميع المدن